Yahoo!

الأساس لوضع أي ميثاق للتربية والتكوين بالمغرب

لقد أطل علينا قبل عشر سنوات   الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، واستبشرنا خيرا كثيرا ، خاصة عندما أسندت صياغته  لنخبة من ممثلي مختلف الاتجاهات  كالهيآت السياسية ، والنقابية ، والمجتمع المدني … لها تجارب في مختلف المجالات التي تتمحور حول الميدان التربوي والتكويني مما زادنا  ثقة أكبر وطموحا أوسع ، استبشرنا خيرا لأن الإصلاحات السابقة لم تحظ باهتمام كهذا ، ولكن أكسبتنا تجارب سواء كممارسين ، أو كأصحاب قرار ، أو مجتمع…   ، استبشرنا خيرا لأن الميثاق الموعود سيكون مغربيا  ولأن منذ الاستقلال لم نتمكن من صياغة إصلاح تعليمي شامل ومقبول من طرف الجميع وقابل للتطبيق وبالتالي إيجاد الحلول الضرورية للعديد من المشاكل التربوية، استبشرنا خيرا لأننا رتبنا الإيجابيات ، واستفدنا من السلبيات وأدركنا ثمن الوقت الذي ضاع ، والأموال التي أنفقت ، والوضع التربوي والتعليمي المأساوي الذي نحن فيه ، ووصلتنا أصداء انتقادات من  حولنا من الجيران والأصدقاء ، ولم نرض بوضعيتنا في نهاية التجربة لاننا افتقدنا الرهان  ، وتأخرت رتبتنا العالمية ….   انطلقت المبادرة لإصلاح التعليم من هذه المكتسبات ومن هذه التجارب، الكل يمكنه إذن أن ينظر أو يخطط بنجاح، وحتى لا نقع في ما وقعنا فيه… وتكون الخطة والتدبير هذه المرة موثقة وموثوقة النجاح ، اخترنا أفضل الأشخاص وفضلناهم على  أفضل الرجال ومنحناهم العدة والعتاد ، وسرحناهم للتجول في مناطق لم يسبق لهم زيارتها ، للبحث عن أفضل الخطط الغربية في مجال التربية والتكوين ، والأخذ عنهم والإستفادة من تجاربهم … 

  لا نريد أن نخوض أكثر في هذا الموضوع  أو ننتقد الميثاق لأن ذلك من اختصاص أصحاب التتبع والاختصاص ، ولكن الواقع والغيرة لا تدع أحدا يرتاح بدون أن يتألم على مجهود كبير انتهى إلى ما هو عليه ، لذالك كان من الواجب على الكل أن يحاسب نفسه ويحدد مسؤوليته ، ليريح ضميره ، ويستعد للتضحية ويبذل مجهودا أكبر لتربية أبنائه ، وأول سؤال يتبادر إلى الأذهان : لماذا حكم الكل على هذا الميثاق  بالفشل منذ انطلاقته ؟ لماذا التراجع إلى الوراء ؟ وبصورة أوضح لماذا الإحساس بالفشل قبل الفشل ؟ لماذا خيبة الأمل تكبر يوما عن يوم …" ويتساءل الجابري رحمه الله :هل لأن التعليم تطبيقيا يهدف إلى تكوين نخبة اجتماعية تكوينا منظما في ميادين الإدارة والتجارة ؟ هل التعليم الأصلي لم يواكب التطور والانتشار والنمو للتعليم الحديث ؟ .. هل بسبب غياب المغرب عن النهضة العربية ؟…كما قال الجابري رحمه الله في كتابه -أضواء على مشكل التعليم بالمغرب-" .

  ونستطرد في التساؤل عسى أن ننقاد إلى سؤال يعطينا جواب الهداية ، هل بدأنا نفقد الواقعية في تخطيطاتنا إحساسا وتفكيرا ، أم أصبحنا نخضع تخطيطاتنا لتتلاءم مع شروط مؤسسات لها مصالح مادية غير محدودة ،هل عميت بصيرة قلوبنا أو ضعفت حتى فاتنا معرفة ما نحتاج إليه وما هو ملائم لنا ولأبنائنا ولعقيدتنا ومستقبل أجيالنا ، ولقد علم سابقونا أن العمل لله والنية الخالصة لله ولكل امرئ ما نوى . وكان ابن القيم الجوزية رحمه الله يقول في خطبته :” وكفى بالمرء جهلا أن يكون مع عدوه على نفسه ، يبلغ منها بفعله ما لا يبلغ منه عدوه ”.  إذا كان الأمر هكذا فنسلم أمورنا لغيرنا كما في الميادين الأخرى كالرياضة مثلا : أسندنا  أمور تدريب الفريق الوطني لمدرب أجنبي والأمر عادي ، أو نتعاقد مع شركات أجنبية لجمع نفايات مدننا او حتى في ميدان النقل الحضري ، نتعاقد مع من يقوم مقامنا لهذه الخدمة  ، والأمر عادي ، لكن لحسن أو لسوء حظنا لا توجد بعد شركات أو أشخاص يستثمرون في قطاع التعليم . غير أننا تعاقدنا مع مطبعات لطبع المقررات ، واشترطوا علينا مضاعفة عددها ، واستعمال بعضها لموسم واحد فقط ليتمكنوا من تسويقها . إذن تداخل السياسة بالتربية ، والاقتصاد بالتعليم والمناهج ، وأفراد المجتمع يكتفون بقراءة الأحداث والمستجدات الأخيرة على صفحات الجرائد ، ويستتبعون ذلك بتحليلات متباينة ومواقف يمكن أن ترقى لتصبح أفكارا بديلة ، أو أساسا  لهذا المنطلق إذا اعتبرنا تباين المواقف والأفكار والأيديولوجيات .  والواقع أن المتابعة جدية وتمس محور القضية وفي جوانبها المختلفة ، لكن الإستمرارية في حدود أيام  ، لاختلاط الأحداث وكثرة المواضيع ، ولأن القرار عند أصحاب القرار . ولو جمعت مناقشات ناس المقاهي في مقالات ونوقشت في مداولات مع رجال النيات الحسنة والصادقة والراغبة في الإصلاح الفعلي دون اعتبار مصالح ولا خلفيات سياسية لشكلت قاعدة أساسية للميثاق المبحوث عنه ، مادامت  المناقشات بهذا الشكل تراعي واقع المجتمع بحيثياته المختلفة سوا ء منها المادية أو العقائدية أو العرف والتقاليد ، وربما لأجبنا عن الأسئلة المطروحة ، أو على الأقل نقترب من الحل لمشكل التعليم ، وما يثار في هذه النوادي من انتقادات وأفكار في هذا المجال وفي مختلف المناطق ما هو إلا تعبير صارخ عن عدم الرضا لما يخطط في الميثاق بدون تفكير عميق ، وبالتالي ملامح الفشل والخوف على مصير أمة . 

  ويجرنا هذا الوضع  للخبش في مقالات سبق أن  نشرت في صحف ومجلات هنا وهناك ، وخاصة عندما  مرت فترة زمنية على تطبيق الميثاق وظهرت الهفوات ، وتبين من خلال مضامينها الحكم بالفشل على  كثير من الأهداف التي تحددت في الميثاق ، وبدأت من جهة أخرى الانتقادات من أصحاب الإختصاص والمتابعة ، وحتى من المقربين من واضعي الميثاق،  وبعضها انطلق من المقاهي كعادتنا ،  فلا حديث إلا على التربية والتعليم ، وعلى من رفث وفسق في التربية والتعليم ، فنسي عهد الكتاب المشترك أو شيخ السلف ودليل الخلف وآخر الضحايا بوكماخ ، حيث كان الناس يتناوبون عن الكتاب المدرسي سنة بعد أخرى ، فتعلم التلميذ الحفاظ عليه  وأدرك قيمته التربوية والعلمية ، واستفاد من مضمونه ومحتواه فسهل عليه الإرتقاء بمستواه المعرفي والتكويني دون عناء ، أليس كل مغربي يشتاق للرجوع إلى سلسلة بوكماخ رحمه الله ، وبالتالي إلى المناهج القديمة ، إذن لا يمكن اعتبار الإصلاحات السابقة فاشلة أو لها نتائج سلبية ، أوحالات مرضية لنجد تبريرات بهدف تغيير ما نريد تغييره ، بل سوية وصحية ،على ما يبدو ، إذا اعتبرنا ضرورة المرور بتجارب ، وأدركنا صعوبة تحقيق الهدف بدون تكرار التجربة ، وعقدنا العزم  على مواصلة البحث ، وأسندنا أمور التربية والتكوين لرجال يحرصون أشد الحرص على تربية أساسها الدين .

  لذلك علينا أن نبحث أولا عن الجدية ونحدد ما نريد، ثم نتساءل، من الأهل والقادر على وضع إصلاح تعليمي تربوي ؟ والبحث يجب أن ينطلق من  التجرد من كل الخلفيات السياسية والمصالح الانفرادية ، والشعور بعظمة المسؤولية والإرتباط بالخالق لأن المؤمن  يختلف عن شخص عادي ، ذلك أنه ،"وإن كان يعيش في الدنيا ويسعى لتحصيل رزقه وما يغنيه عن سؤال الناس ، إلا أن عينه على الآخرة ونعيمها ، ويسعى لتحصيلها بزيادة أعماله الصالحة ، إنه خلاف صاحب الدنيا الذي يريد ملايين الدريهمات ، إنه يريد ملايين الحسنات ، كما يقول الفقهاء : من موقع بيتي"، ويقول السلف : رجل ذو همة   يحيي الله به أمة ، فالأمم تبنى برجالاتها ، كان لكم في رسول الله إسوة حسنة ، إن أكثر العظماء الذين قضوا حياتهم في خدمة الناس ، كانوا نتاج تربية صحيحة تلقوها في صغرهم فمنهم النبي موسى عليه السلام ، الذي كان تحت رعاية أم بلغت درجة الكمال الإنساني من خلال تربيتها ، ثم آسية زوجة فرعون صاحبة المبدإ والحركة الإنسانية ، وبالمقابل نجد أن أكثر من يعيث في الأرض فسادا أولئك الذين وجدوا في صغرهم أيادي جاهلة تحيط بهم . إذن لا خير فيمن يرى المؤسسة التعليمية تندحر أكثر من أي وقت مضى ولا يتحرك لسانه ولا يسير نحو تصحيح ما أفسده أصحابه السابقون.

 لقد لفت الله انتباهنا إلى أمثال وحكم كثيرة  في القرآن الكريم ، كان علينا الرجوع  إليها عند وضع أي قانون أو ميثاق ، كما بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منهاجه التربوي عبرا متنوعة ومتعددة ، فإذا استندنا على شرع لله وسنة نبيه في جميع أمورنا وخاصة في التربية والتعليم لن نفشل أبدا ، إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن متعلما ، أي لم يكن يكتب ولا يقرأ ، وكثيرا من أصحابه ، ولكن تميزوا بالوعي واتصفوا بالأخلاق الفاضلة والسلوك المتزن .
    أليس أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه يتوافق مع أحدث النظريات التعليمية ؟ أليست التربية الإسلامية صالحة في كل زمان ومكان ، إذن لماذا حصرنا أنفسنا في دائرة تعليم أبنائنا القراءة والكتابة وأهملنا الجوانب الأساسية  التي تجعل الشخص واعيا رغم أميته ، ومتخلقا رغم فقره، إرضاء لغيرنا .
    وهكذا ،  ما دمنا  لم نحدد الهدف المتمثل في تكوين المواطن المتعلم ، والمتخلق ، والواعي ، ونظل نخطط وننظر لوضع ميثاق التعلم  لنرضي به أطرافا لها مصالح مادية  دون الإحساس بأننا مقيدين داخل دائرة التجاذب  ولا نوسع آفاق تفكيرنا ، سنبقى بدون شك على حالتنا المهزومة ، المتمثلة في : الهدر المدرسي ، تدني المستوى التعليمي ، فساد الأخلاق داخل المؤسسات ، استمرار عملية الغش والنقل في الإمتحانات واعتبار ذلك حقا مشروعا  وامتيازا  لكل تلميذ ، استمرار بيع الدروس ، وشراء النقط ، دروس الدعم خارج المؤسسات الرسمية أو الخصوصية وبأثمان خيالية ، واللائحة طويلة ، آخرها الأحداث التي شاهدناها أو سمعنا عنها ، بدءا من الوزير الديمقراطي الغير الأمي الناطق باسم الحكومة وتصرفه مع السلطة واستهتاره بكل مؤسسات الدولة ، إلى المواطن الذي يدوس المواطن بسيارته من فوق الرصيف وليس فقط عند ممر الراجلين أو جوانب أخرى.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم:  « ما من مؤمن ذكرٍ أو أنثى ، حرٍ أو مملوكٍ ، إلاّ ولله عليه حقّ واجب أن يتعلّم من القرآن ».  ( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن نفس لا تشبع ، ومن دعوة لا يستجاب لها )

 ملاحظة : موضوع المقال عبارة عن أفكار وآراء واقتراحات ، ظلت بمذكرتي مدة طويلة سجلتها في هذا المقال متمنيا أن تعبر أولا عن تأييد شريحة من المواطنين ، وثانيا أن يصل صداها إلى المسؤولين.

       ذ.حسين سونة

 


تعليق واحد على “الأساس لوضع أي ميثاق للتربية والتكوين بالمغرب”

  1. كل ما أريد قوله أنه قبل أي إصلاح في أي مجال من المجالات علينا أن نصلح أنفسنا وأن نقف مع أنفسنا وقفة تأمل ومعرفة بالأنا؛إن نحن نجحنا في إصلاح ذاتنا كمسلمون ومغاربة فاعلم أن كل إصلاح بعده مقرون بالنجاح ولن نحتاج إلى من يرشدنا إلى طريق النجاح لأن ديننا هو سبيل كل نجاح وبدونه والله لن ننجح أبدا مهما خططنا ومهما جربنا تذكروا هذا والله المعين والموفق لما يحبه ويرضاه.



اكتب تعليــقك