Yahoo!

من يقبل المنحة والتزكية لا يمكنه أن يحارب الفساد

من يقبل المن�ة والتزكية لا يمكنه أن ي�ارب الفساد

 
 
 بقلم :حسين سونة// لقد كثر الكلام منذ بداية الربيع العربي عن محاربة الفساد والمفسدين، رغم أن المدقق في الأمر يعلم أن هذا ليس بوضع جديد، فما كان متداولا بين الناس قبل هذا أكثر مما هو مدون الآن في شعارات، وخطابات في مظاهرات، ومطالب بإصلاحات. لكن الأكيد أننا ضحايا أزمة متعددة الوجوه، والظاهر وجود أزمة فساد شامل وأزمة عدد كبير من المفسدين تناسلوا في البلاد، والخوف القادم من قضاء لا يشفي الغليل، فإذا كان الفساد ظاهرة للعيان ويعاني منها الكل، وتشاهد بالعين المجردة وبدون تدقيق ولا بحث، فإن المفسد شخص جبان يتنكر لكل تصرفاته وأعماله بل يتقمص شخصية مزدوجة أو أكثر بحسب الحاجة، فعندما يطالب الشعب بمحاربة الفساد ومحاسبة المفسدين يبدو الأمر عاديا للغاية ومطالبه مشروعة، لكن الوضع قد يختلف لما يطالب الجميع شعبا وحكومة وبرلمانيين وأحزابا بمحاربة الفساد والمفسدين فهذا غير عاد . فهل يجوز القول بأن الشعب هو المفسد ما دام  المسؤولون  وأصحاب القرار يطالبون بما يطالب به الشعب، أو لأن الشعب هو الذي اختار ممثليه من المفسدين فتسبب في هذا الفساد، أم أن الشعب غير محق فيما يطالب به .
 إذن ثمة معضلة كبيرة لم تشخص كاملة لأن الكل يتبرأ فقط من الفساد ومن المفسدين، فمن المفسد هذا أم ذاك ؟ والفساد والمفسد قد لا يظهر للبعض على حقيقته لأن المنطلق هو عبارة عن تراكمات موروثة من جيل لا يزال في المنافسة ويحاول تجميل الصورة وإبعاد الشبهة، فيصعب تحديد أسباب حقيقة الفساد، أما البعض الآخر يطالب بتجريم المفسد واسترجاع أموال الدولة وإبعاد المسؤولين المقدسين عن كل تمثيل . والفساد في عمقه الحقيقي تجانبه جميع الأطراف وأحيانا يدرج في برنامج باحتشام، إما تجنبا لتهمة أو حرمة لسمعة أو لأنه يفضح صاحبه ، ومهما يكن يجب تشخيص هذه الظاهرة بجميع تجلياتها إذا أردنا بناء دولة ديمقراطية بمؤسسات قوية، وهذا ما يأمله كل مواطن سواء من خلال الحراك القائم حاليا، أو عزم المواطن المشاركة الفعالة لتحقيق انطلاقة حقيقية نحو التنمية، وللوصول إلى ذلك لا بد من الكشف عن الأبعاد الحقيقية لحالة الجمود العام الذي عرفته البلاد منذ أن تفرخت الأحزاب والتي حالت دون الوصول إلى ديمقراطية متحضرة ومؤسسات تمثيلية نزيهة التي تقود البلاد إلى الإصلاح الحقيقي. وهكذا فإن الاعتراف بالمشاركة في الفساد وبما ارتكب من أخطاء والتقصير في الواجب والكسب غير المشروع ضرورة حتمية نحو الإقلاع التنموي، ويبرز بعضها على الخصوص في ما يلي :
أولا :
 إن الأحزاب تتأسس لأغراض واضحة كانخراط مؤسسيها في الدفع بعجلة التنمية نحو الأمام ، ومعارضة الحكومة من أجل دفعها لبذل مجهود أكبر، وإنقاذها من السقوط في الأزمات، بالإضافة إلى تأطير المواطن سياسيا واجتماعيا وثقافيا وما إلى ذلك، لكن الواقع غير ذلك، بل أصبحت الانشقاقات وتفريخ الأحزاب بهدف الحصول على التزكية والمنحة من الدولة هو الأساس، وإذا كانت الأحزاب على كل حال تلعب دورا ما  في تأطير المواطن فإنها تتحمل جانبا من المسؤولية بما جبل عليه المواطن الذي اكتسب سلوكا لا يرقى للتمييز  بين حقوقه وواجباته، فقد يكون المواطن عالة على الأسرة إذا كان عاجزا عن الإنفاق على نفسه وينتظر إحسان الآخرين إليه، وقد يكون ذلك مألوفا ومتجاوزا عند الكثيرين لأن ذلك لا يضر الآخرين، ولا يمس بأي حال من الأحوال كرامتهم، لكن أن يكون تابعا كالعبد في زمن حقوق الإنسان والتعددية الحزبية، يبيع حقوقه ويتنكر لواجباته مقابل لقمة سائغة لا تسمن ولا تغني من جوع وربما هو في غنى عنها والرضا بالعيش الذليل، واستخفافا بإجراءات تنظيمية وقانونية تحافظ على حقوقه، فهذا غير مقبول أخلاقيا ولا اجتماعيا. وهذا يبين بالكاد عدم تأطيره من أي حزب ، فأصبح يستجيب لأي جهة مانحة وما أكثر هؤلاء، مما يكرس ويجمد الوضع أكثر .
ثانيا :
 إن الذي يدعي تمثيل المواطنين في حزب أو غيره، ويعمل جاهدا على شراء أصوات الناخبين في حملة انتخابية فيسمح لنفسه خلالها بتقديم الوعود، ويصف فيها الحالة الراهنة والحقبة السالفة بالكارثية وهو يدعي الإصلاح، وقد يوظف في ذلك ما اكتسبه من تجربة كبيرة في المراوغة والديماغوجية، وهو يعلم عدم قدرته على تطبيق ما يعد به، أي أن برنامجه غير قابل للتطبيق، ويستغل وضعية مواطنين الاجتماعية والاقتصادية وسذاجة أفراد للحصول على تزكية ما، أو الوصول إلى مئاصب تمثيلية مزورة من الأصل ، فهو يتطاول على حقوق الآخرين ويدوس كرامتهم وحريتهم بدون اعتبار لأحد، وذلك بهدف السعي لاستغلال قدر الإمكان ثروات الآخرين بطريقة ما، فهذا هو العبث بكل مؤسسات الدولة ومقدساتها، وهو من الآثمين شرعا ومن المتهمين قضائيا.
ثالثا :
  إن التزكية من المفروض أن تعرض أو تفرض على الشخص لكفاءته ووطنيته بدون التهافت عليها، باعتبار أن المسؤولية تكليف وليست تشريفا ، وإلا فإن هذه التزكية المرغوب فيها لا تعدو إضفاء الشرعية على شخص غير موثوق به ، أما الذي يبحث عن التزكية متنقلا من حزب إلى آخر ويتنكر لأخلاقيات الترشيح والانتخاب فهو فاقد الغيرة الوطنية والمسؤولية لأنه بحث عن تزكية لتحقيق حلم طالما راوده وراود الكثيرين أمثاله في كيفية الحفاظ على مكسب تمثيلي ألفوه لعطائه الوافر .
إن نظام اللائحة بالإضافة إلى كونه يضمن مقاعد مريحة في البرلمان للأحزاب، كذلك يضمنها للأشخاص النافذين في الحزب، وبذلك فهي تحافظ على نفس النخب وتقضي على التجديد والطموح، خاصة في مجتمع غير متحمس بعد لهذا النوع من الاختيار، ولا تزال نسبة الأمية فيه مرتفعة ، كما أن المواطن المغربي لا يرغب في منح صوته لمن لا يعرفه أو لمن يقدم برنامجا مشكوكا فيه، أو لأن وكيل اللائحة معروف عند الناخب أكثر مما هو معروف عند من منحه التزكية، ولأن المواطن يعرف الأشخاص النافذين سياسيا ونواياهم، وكل هذا من العوامل الأساسية في انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات. كما أن التزكية الانتخابية تتسبب في نزاعات بين قادة الحزب، وبالتالي في انشقاقات حزبية، فلن يحصل عليها الممنوح إلا بعد ضغط على آخرين ويقدم كوكيل اللائحة ومرشح باسم حزب رغم ما يقال عنه. وفي هذا الإطار ، نشرت جريدة المساء في عددها رقم 1585 بتاريخ 28/10/2011م "أن حزب التقدم والاشتراكية منح تزكية لبرلماني صاحب سوابق ".
والغريب أن معظم الناس ينتظرون من بعيد مرور هذه المرحلة ويأملون رؤية مؤسسة تشريعية وحكومة بكفاءات وطنية مخلصة ولو بدون مشاركة في الانتخابات وهذه ميزة معظم الشعب المغربي باعتبار أن أكثرية الناس ينتقدون بدون أن يكونوا داخل مسرح الأحداث لغياب التوعية والتأطير، وقد لا يخفى هذا على أحد .
رابعا :
من المؤكد أن المواطن، كان ناخبا أو مرشحا  اعتاد سلوكا يمارسه قبيل الانتخابات، فانشغل البعض بشكل الانتخابات وكيفية الوصول إلى البرلمان، بدون الاهتمام بما هو أساسي، والبعض الآخر دخل مرحلة التأمل فيما ستؤول إليه البلاد بعد تشكيل الحكومة وكيفية تعاملها مع الدستور الجديد، وهذا ما أجج المتظاهرين في مسيراتهم حيث الدعوات بمقاطعة الانتخابات البرلمانية المبكرة وقطع الطريق على الناهبين ومحاربة الفساد ومحاسبة المفسدين. وقد اقتدت بهم بعض الأحزاب، ولا أحد يفكر في توسيع قاعدة المشاركة في الانتخابات إذا استثنينا بعض الدعوات من هنا وهناك. أليس المواطن في حاجة إلى تعليم مبكر وتربية حقيقية وهادفة والإقلاع عن الشعارات الفارغة، لضمان انتخابات حرة ونزيهة… وذلك عن طريق تعليم يستند على التطبيق لا الشكل، وتأطيره داخل الحزب بحيث يتشبع بالأفكار والمبادئ الحزبية والأخلاق الوطنية وهذا ما لم يحصل لا داخل المقرات الحزبية ولا خارجها طيلة الفترة الماضية. بل إن الضرورة تقتضي إعطاء المثل من قبل المسؤول والمؤطر والنزول إلى الساحة الشعبية والقيام بالمحاضرات والندوات وليس بالضرورة داخل المقرات والمواسم الانتخابية، والتضحية المادية والمعنوية لإقناع المواطن بضرورة المشاركة في الانتخابات بغض النظر عن الحزب الذي يمثله، لكن غياب الواقعية والعمل الجاد للأحزاب المغربية والبحث عن مناصب وزارية وتمثيلية برلمانية جعلها أحزابا  ضعيفة قاعدة وقمة وأداء بل فقدت مصداقيتها .
خامسا :
  إن من أمناء الأحزاب من حل الحزب بدون استشارة من القاعدة ، ويركب ظهر شخص ليعلو ويظهر للجميع لا يتوانى عن ركوب  ما يحلو له ولو كان في ذلك إذلالا لقيمته وقيمة الآخرين - ومن لم يشاهد الصورة فليتخيلها - كما أن الشخص الذي يتحول بين عشية وضحاها إلى حزب آخر متنكرا لمبادئه ولصداقة أصدقائه لا عهد ولا ميثاق له يمكن أن يرتبط به مع أي كان ، وهذا ينطبق على كل من اتخذ قرارا داخل حزب لا يهمه في ذلك إلا مصلحة شخصية، والعمل على تغييب الأطر الوطنية أو تجاهلها .
إن من أمناء الأحزاب من يجزم بأن  حزبه يتوفر على مناضلين من جميع المستويات الاجتماعية والقادرين على العطاء، وبالتالي يضعهم على رأس اللائحة لضمان مقعد نيابي،  فشهادته زور وبهتان، لا همّ له إلا حيازة أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات وحسم نتائجها مسبقا، وبذلك تكون الانتخابات موجهة كما هو الحال في أنظمة الحزب الوحيد، إذن لقد تحولت التعددية الحزبية إلى سياسة جديدة تعتمد اللائحة للوصول إلى مراكز القرار وهي سياسة لعبة اللائحة الوطنية .
سادسا :
  عندما تعطل أو تؤجل مصالح المواطنين من طرف ممثليهم وهم أعضاء في مجلس العاصمة الاقتصادية وتبقى مشاريع كبرى عالقة إلى أجل غير مسمى بسبب غياب جل الأعضاء لترتيب أمورهم الانتخابية التي لم تنطلق حملتها بعد، فما المنتظر من هؤلاء أن يقدموه للمواطن وللوطن، والأكيد لا يقتصر مثل هذا على مدينة واحدة، وذلك ما يستنتجه القارئ عندما يقرأ ما نشرته يومية المساء في عددها رقم 5585 مقالا للسيد سعيد العجل تحت عنوان: غياب 140عضوا من أصل 147عن دورة مجلس البيضاء " عندما يغيب عن مجلس مدينة البيضاء 140عضوا وحضور 7أعضاء فقط وامتنع بعض الأعضاء عن التوقيع معلنين عن سنة بيضاء…لتظل بذلك مصالح البيضاويين معلقة إلى أجل غير مسمى …وقد انعكست أجواء الانتخابات النيابية ليوم 25 نونبر على السير العام لمجلس البيضاء ، إذ أن أغلبية الأعضاء يعتزمون الترشح لهذه الانتخابات ، مما جعل بعضهم يتراجع إلى الوراء ويغيب عن الدورات سواء الاستثنائية أو العادية ، وتشير الجريدة إلى أن سوق التزكيات انطلق وسط الأحزاب …بعدما غادر عدة نواب حزب الأصالة والمعاصرة في اتجاه أحزاب أخرى …بتصرف "
سابعا :
 عندما يبرر الحزب انهزامه بتزوير الانتخابات، ولا يبارك لمنافسه الاستحقاق الذي حصل عليه، بل يعمل جاهدا للفوز برئاسة مجلس المدينة رغم حصوله على أقل بكثير من نصف المقاعد الإجمالية، ويعمل على إسقاط الحزب الذي حصل على الأغلبية كما حصل بمجلس وجدة، فهذه وضعية غير مفهومة. وبدون الخوض أكثر في هذا، لكن لنتساءل : أهذا تعامل ديمقراطي ؟ أهذا سلوك حضاري ؟ أهذا تأطير حزبي ؟ أم هذا أمر عاد عند السياسيين ؟ لقد مرت عقود هكذا ونحن في انتظار التغيير قد يأتي أو لا يأتي.
   هذا ما تنطوي عليه حالتنا طيلة الفترة النيابية وقبيل وأثناء الحملات الانتخابية ما دام نفس الأشخاص يتناوبون على كرسي المسؤولية. ونفس سلوك الناخبين، وهذا الوضع تعيشه البلاد منذ عقود وهو السر في الجمود التنموي والحد من الوعي السياسي المقصود، ناهيك عن التفريط في المبادئ الأساسية والاستخفاف بالمواطنة، وما استمرار ارتفاع نسبة الأمية، وتدني الأخلاق والسرقة بمختلف أحجامها وانتشار الرشوة، إلا دليلا على ممارسات تمثيلية تشريعية أو تنفيذية، ورغم كل هذا لا يزال الكثيرون  متشبثين بالعودة إلى شغل كراسي المسؤولية وكأن لا أحد يعلو عليهم وهم في ذلك يعملون جاهدين لتغييب وتجاهل أطر وطنية.
                                                                      حسين سونة


اكتب تعليــقك